الشيخ محمد رشيد رضا
171
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ايصال العلم إلى الناس وقبوله وهذه الطرق تختلف باختلاف الزمان والمكان كما تختلف الطرق التي تؤدى بها أمانة المال ففي هذا العصر تؤدى الأموال إلى أصحابها بطرق لم تكن معروفة في العصور السابقة منها التحويل على مصلحة البريد ومنها المصارف ومنها غير ذلك . وكذلك توجد طرق لنشر العلم بين الناس أسهل من الطرق السابقة فمن أبى سلوكها لا يعذر بعدم تأديته لأمانة العلم النافع وأكثر العلماء المتأخرين يقولون إنه لا يجب على العالم أن يتصدى لتعليم الناس وإنما يجب عليه ان يجيب إذا سئل وربما قيدوا هذا بما إذا فقد من يقوم مقامه في الافتاء . وإنما قال مثل هذا من قاله من المتقدمين في المسائل الخاصة التي يحتاج إليها عند وقوع الوقائع فأما ما لا بد منه ولا يسع الناس جهله من العقائد والواجبات وأحكام الحلال والحرام فلم يشترط أحد فيه هذا الشرط ولذلك اتفقوا على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يقيدوه بالاستفتاء ، والمجهول لا تتوجه النفوس إلى السؤال عنه أفيترك الجاهلون بالسنن العاملون بالبدع حتى يطرقوا أبواب العلماء في بيوتهم أو مدارسهم مع العلم بأنهم لا يفعلون ولا يخرج علماء الدين من تبعة الكتمان والخيانة في أمانة اللّه بتصديهم لتدريس كتب الفقه والعقائد فان هذه الكتب لا تفهمها العامة ولا تجب عليها معرفتها لأنها وضعت للمنقطعين للعلم يستعينون بها على القضاء والافتاء في المسائل التي لا يحتاج إليها كل الناس دائما ومنها ما تمر الاعصار ولا يقع بل منها ما يستحيل وقوعه . فيجب على العلماء ان يتصدوا لتعليم الجمهور ما لا يسع أحدا منهم جهله وان يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر من أقرب الطرق وأسهلها وانما يعرف ذلك بالتجربة والاختبار وللّه در الشاعر الذي قال لو صح منك الهوى أرشدت للحيل وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قال الأستاذ الامام بعد ما تقدم آنفا وكذلك أمر اللّه من يحكم بين الناس ان يحكم بالعدل ، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة فكل